الشنقيطي

162

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

قوله تعالى : خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ [ 4 ] . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه خلق الإنسان من نطفة ، وهي مني الرجل ومني المرأة ؛ بدليل قوله تعالى : إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [ الإنسان : 2 ] أي أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة . وقال صاحب الدر المنثور « 1 » بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط : من ماء الرجل وماء المرأة . وأخرج الطستي عن ابن عباس : أن نافع بن الأزرق قال : أخبرني عن قوله مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ قال : اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم . قال : وهل تعرف العرب ذلك ؟ قال : نعم . أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول : كأن الريش والفوقين منه * خلال النصل خالطه مشيج ونسب في اللسان هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي ، وأنشده هكذا : كأن النصل والفوقين منها * خلال الريش سيط به مشيج قال : ورواه المبرد : كأن المتن والشرجين منه * خلاف النصل سيط به مشيج قال : ورواه أبو عبيدة : كأن الريش والفوقين منها * خلال النصل سيط به المشيج ومعنى « سيط به المشيج » : خلط به الخلط . إذا عرفت معنى ذلك ، فاعلم أنه تعالى بين أن ذلك الماء الذي هو النطفة ، منه ما هو خارج من الصلب ، أي وهو ماء الرجل ، ومنه ما هو خارج من الترائب وهو ماء المرأة ، وذلك في قوله جل وعلا : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ ( 5 ) خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ ( 6 ) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ ( 7 ) [ الطارق : 5 - 7 ] لأن المراد بالصلب صلب الرجل وهو ظهره ، والمراد بالترائب ترائب المرأة وهي موضع القلادة منها ؛ ومنه قول امرء القيس : مهفهفة بيضاء غير مفاضة * ترائبها مصقولة كالسجنجل واستشهد ابن عباس لنافع بن الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول المخبل أو ابن أبي ربيعة : والزعفران على ترائبها * شرقا به اللبات والنحر « 2 »

--> ( 1 ) الدر المنثور 8 / 367 . ( 2 ) الدر المنثور 8 / 475 .